محمد جواد مغنية
112
في ظلال نهج البلاغة
( واطهر المطهرين شيمة ) في جميع خصاله ( وأجود المستمطرين ديمة ) في كرمه وعطائه ، كان يعطي ويشعر انه أخذ أكثر مما أعطى ، قال أبو ذر : « خرجت مرة مع رسول اللَّه ( ص ) نحو جبل أحد ، فقال لي : أتبصر أحدا قلت : نعم ، يا رسول اللَّه . قال : ما أحب أن يكون لي مثله ذهبا أنفقه في سبيل اللَّه ، أموت وأترك منه قيراطين » . وهنا يكمن السر في ثورة أبي ذر على الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه . وكمال النبي ( ص ) في سائر خصاله وعناصر شخصيته تماما مثل كماله في عطائه وكرمه ، ومن هنا استحق هذه الشهادة العظمى منه تعالى : * ( « وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * - 4 القلم » . ( فما احلولت - إلى - وضينها ) . الخطاب للمسلمين ، والمعنى ان محمدا ( ص ) برسالته الكاملة ، وخلاله المثلى ، وجهاده المتواصل هو الذي أخضع لكم الدنيا وجعلها تحت أقدامكم ، ولكنها أصبحت بعده قلقة حائرة تنتظر القائدة القوي الحكيم ليأخذ بزمامها ، ويسير بها في طريقها القويم ، ولا تجده . . فكان شأنكم مع هذه الدنيا التي تركها النبي لكم تماما كراكب الناقة التي لا يملك زمامها ، ولا يثبت رحلها من تحته . ( قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود ) . هذا بيان وتفسير لضياعهم ، وانهم تماما كالإبل غاب راعيها . . لأن الحرام بعد النبي أصبح سهل المنال ، لا رادع عنه ، ولا زاجر كالسدر بلا شوك ( وحلالها بعيدا غير موجود ) . حرامها سهل يسير ، وحلالها صعب عسير ، والنتيجة الحتمية أن يتنعم في الدنيا الأشرار ، ويشقى الأخيار . وفي الحديث : « الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر » . وهذا هو الواقع المحسوس في دولة الجور والأوضاع الفاسدة حيث يسعد فيها كل خائن وعميل ، ويشقى فيها كل طيب ونبيل . . وغير بعيد ان يكون هذا هو المراد من الحديث المذكور . ( وصادفتموها واللَّه ظلا ممدودا إلى أجل معدود ) . ان دنياكم حلوة بزخرفها ونعيمها ، ولكنها لحظات ، ومن بعدها آلام وأحزان ، فاحذروا الغفلة من العواقب ، وبادروا بالصالحات ، والفرصة سانحة ، والحال هادئة ( فالأرض لكم شاغرة ) خالية من الحاكم الذي يردعكم عن الحرام . . يشير بهذه إلى ما يحدث بعده